الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
130
مختصر الامثل
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ( 24 ) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ( 25 ) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ( 26 ) لا عجب من عدم إيمان : توصّلنا في الآيات السابقة إلى أنّ هناك أفراداً كالأموات والعميان لا تترك مواعظ الأنبياء في قلوبهم أدنى أثر ، وعلى ذلك فإنّ الآيات مورد البحث تقصد مواساة الرسول صلى الله عليه وآله بهذا الخصوص وتخفيف آلامه لكي لا يغتمّ كثيراً . أوّلًا تقول الآية الكريمة : « إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحقّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ » . أوصل نداءك إلى مسامعهم ، بشّرهم بثواب اللَّه ، وأنذرهم عقابه ، سواء استجابوا أو لم يستجيبوا . ويضيف تعالى في الآية التالية : « وَإِن يُكَذّبُوكَ » . فلا عجب من ذلك ، ولا تحزن بسبب ذلك ، لأنّه « فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ » . « البيّنات » : بمعنى الدلائل الواضحة والمعجزات التي تثبت حقانية النبي ؛ والمقصود ب « الزبر » : ذلك القسم من كتب الأنبياء التي تحتوي على العبرة والموعظة والنصيحة والمناجاة ( كزبور داود ) ؛ وأمّا « الكتاب المنير » فتلك المجموعة من الكتب السماوية التي تحتوي على الأحكام والقوانين والتشريعات الاجتماعية والفردية المختلفة مثل التوراة والإنجيل والقرآن . تشير الآية الأخيرة من هذه الآيات إلى العقاب الأليم لتلك المجموعة فتقول : « ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا » « 1 » . فهم لم يكونوا بمنأى عن العقاب الإلهي ، وإن استطاعوا أن يستمروا بتكذيبهم إلى حين . فبعض عاقبناهم بالطوفان ، وبعض بالريح العاصفة المدمّرة ، وآخرون بالصيحة والصاعقة والزلزلة . أخيراً لتأكيد وبيان شدّة وقسوة العقوبة عليهم يقول : « فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ » . ذلك تماماً
--> ( 1 ) « أخذت » : من مادة « أخذ » بمعنى حيازة الشيء وتحصيله ، لكنّها هنا كناية عن المجازاة ، لأنّ الأخذ مقدّمةللعقاب .